محاولة 1
بدا أنّ الحياة تستحقّ عيشها فقط حيث تلاشت عند الجميع العتبة التي تفصل [عالم] الصّحو عن النّوم، كما لو بسبب مراوحة تدفّقات الصّور. تُظهر اللّغة نفسها فقط أينما اجتمع الصّوت بالصّورة، وتشابكت الصّورة بالصّوت بتوفّق وبدقّة تلقائيّة سادَّيْن أيّ صدعٍ قد تتسرّب منه أصغر ذرّةٍ من المعنى. تمتلك الصّورة واللّغة حقّ المرور؛ اعتاد 
سان-بول رو تعليقَ ورقة على باب غرفته عند ذهابه للنّوم في ساعات الصّباح الأولى تقول: "الشّاعر قيد العمل". ويعلّق [أندريه] بريتون: "هدوءًا! أتمنّى أن أمرّ حيث لم يمرّ أحدًا من قبلي بعد؛ هدوءًا. من بعدكِ، عزيزتي اللّغة." تمتلك اللّغة حقّ المرور. 

محاولة 2 
تستحقّ الحياة أن تُعاش فقط حيث تمّحي العتبة الفاصلة بين النّوم واليقظة، كما لو أنّ أفواجًا من الخُطى تتقاطر بينهما جيئةً وذهابًا. تتبدّى ذاتُ اللّغة فقط حيث يتناغم الصّوت مع الصّورة، والصّورة مع الصّوت في تشابكٍ مُحْكَم، واندماج تلقائيّ لا يترك منفذًا لأصغر ذرّةٍ من المعنى. للصّورة وللّغة أسبقيّتهما. "الشّاعر قيد العمل" ملاحظةٌ اعتاد سان بول رو أن يعلّقها على باب حجرته قبل أن يرقد للنّوم في ساعات الفجر. "هدوءًا، إنّني على وشك العبور إلى مكان لم يجتزهُ أحدٌ قطّ، هدوءًا. بعدَك أيّتها العزيزةُ اللّغة"، يقول بريتون، مُقرًّا بأسبقيّة اللّغة.

محاولة 3
بدا أنّ الحياةَ تستحقّ العيش فقط حيثُ تَلِفَت الحدود بين اليقظة والنّوم في النّفوس، كما لو أنّ نشوء هذا التّلف قادته تدفّقات الصّور في مسارات إقبالها وإدبارها. تتمثّل 
اللّغة فقط أينما التحمَ الصّوت بالصّورة والصّورة بالصّوت كعنصرَيْن متشابكَيْن بإحكامٍ وبدقّة تلقائيّة، بحيث لا يخلّف تماسكهما هذا أيّ صَدْعٍ يسمح بفرار أصغر ذرّةٍ من المعنى. للصّورة واللّغة أسبقيّة. اعتاد الشّاعر الفرنسيّ سان-پول رو أن يعلّق على باب حجرته لافتة تقول: ”الشّاعرُ يعمل“ قبل رُقاده في ساعات الفجر. بينما يستأذن بريتون اللّغةَ بقوله: ”سُكوتًا. أتمنّى أن أشقّ طُرقًا لم يطأها أحدٌ من قبلي، سُكوتًا! — بَعْدَكِ، عزيزتي اللّغة.“ للّغة أفضليّة في المرور.

والتر بنيامين، السّرياليّة: اللّقطة الأخيرة لمثقّفي أوروبا، 1929    
تُرجم هذا النّصّ اعتمادًا على المصدرين:

  • Walter Benjamin, Surrealism. Published in One-way Street and and Other Writings, trans. J. A. Underwood, Penguin books 2009

  • Walter Benjamin, Surrealism: the Last Snapshot of the European Intelligentsia, trans. Edmond Jephcott, Harvard University Press, 2016

محاولة 1

حيث استوديو التّصوير كان هذا.
كيفما ألقيتُ عينيّ وجدتُني مطوّقًا بأستار ووسائد ورِكاز تتشهّى صورتي مثلما هي عطشى ظلال الجحيم إلى دماء القرابين ثمّ قُدّمت، كانت جبال الألب المرسومة ورائي ناتئة على امتداد المشهد الخلفيّ، ويدي اليمنى التي كان عليها أن تحمل قبّعة من جلد الماعز رمت بظلالها فوق غيوم اللّوحة ومثالجها. رغم أنّ ابتسامة فتى الجبال المعذَّبة لم تكن مُشجّاة بأكثر ممّا هي عليه تلك النّظرة التي تنسرب إليّ من وجه الفتى المستظلّ بشجيرة النّخيل المنزليّة، فإنّها [الابتسامة المعذَّبة] تنتمي إلى واحدة من تلك الاستوديوهات التي بمقاعدها وحوامل كاميراتها ونُجُدِها المزركشة ومساند ألواح الرّسم والتّصوير فيها تبدو كما لو كانت جملةً من مخدع امرأة وغرفة تعذيب. هأنذا أقفُ عاري الرّأس ممسكة يدي اليسرى قبّعة سمبريرو ضخمة تتدلّى باصطناع، يدي اليمنى مشغولة بعصا يحتلّ مقبضُها المتّجه نحو الأسفل مقدّمة الصّورة، بينما يضيع آخِرُهَا بين ريشات النّعام المندفعة من فوق الطّاولة. جانبًا قرب ستار الباب، تقفُ الأمّ متحجّرة بصدار ضيّق وكصنم تحدّق في بزّتي المخمليّة التي تبدو طافحة بزراكشها كما لو اقتُصّت من مجلّة أزياء. لكن يشوّهني ويمحوني تشابهي مع كلّ ما حولي هنا، كأنّني استغرق في القرن التّاسع عشر مثل حلزون يقبع في قوقعته وقد تحوّل القرن الخاوي إلى قوقعة جوفاء، أقرّبها إلى أذني.

والتر بنيامين، طفولة برلين، نحو عام 1900

إدواردو كاداڤا، كلمات الضّوء: مقالات حول تصوير التاريخ، ص108-109

محاولة 2

حصل ذلك عند المصوّر.
أينما وقع ناظري، رأيتُني محاطًا بالسّتائر والوسائد والرّكائز التي اشتهت صورتي كتشوّق ظلال هاديس (ملك العالم السّفليّ: عالم الموتى) إلى دم الحيوان القربان. وأخيرًا تمّ تقديمي أمام مشهد جبال الألب المرسومة بخشونة بينما تُلقي يدي اليمنى، والتي أُجبرتْ على أن تمسك قبّعة من جلد الماعز، بظلّها فوق السّحاب وفوق الكتلة الثّلجيّة على ستارة الخلفيّة.
لا تفوق الابتسامة الملتاعة حول فم الفتى متسلّق الجبال بؤس تلك النّظرة التي تهبط في داخلي من وجه الطّفل المستظلّ بفيء شجرة النّخيل المنزليّة. تعود هذه الابتسامة [أو النّظرة؟] إلى تلك الاستوديوهات العامرة بالمقاعد وحاملات آلات التّصوير وسجّاد الحائط المزركش ومساند الرّسّامين الخشبيّة، تتراوح ظروفها ما بين مخدع امرأة وغرفة تعذيب في آن. أقف مكشوف الرّأس حاملًا سومبريرو ضخمة (قبّعة مكسيكيّة) في يدي اليسرى وأتركها تتدلّى برشاقة مدروسة. تسيطر اليد اليمنى على عصا يظهر مَقْبَضُها المُخَفَّض في مقدّمة الصّورة بينما تختفي مؤخّرة العصا بين حزمة ريش النّعام المندفعة من فوق طاولة البستان. بعيدة كليًّا في أحد الجوانب وبالقرب من ستارة الباب؛ وقفتْ الأم متيبّسة في صدار ضيّق. وقفتْ كتمثال تحدّق في بدلتي المخمليّة التي بدت مكتظّة بالزّراكش كما لو أنّها كانت مقصوصة من مجلّة أزياء. ولكن، يشوّهني تشابهي مع الأشياء المحيطة بي هنا. أقمتُ في القرن التّاسع عشر كما يقيم الحلزون في قوقعته، وها هو القرن المجوّف يستلقي أمامي كقوقعة فارغة. أرفعها لتسمعها أذني.

  • Walter Benjamin, Berliner Kindheit um Neunzehnhundert , (Berlin Childhood around 1900 p. 261)

  • Eduardo Cadava, Words of Light: theses on the photography of history, p. 108-109

فرانز كافكا في عمر الخامسة، 1888 (مجموعة أرشيف أدورنو، فرانكفوت آم ماين)

©

حقوق النشر مش محفوظة