قراءة في أرشيف

التّصوير الفوتوغرافيّ بين العمل ورأس المال

ألان سيكولا

"مصير أيّ صورة من الماضي لا يعتبرها الحاضر تهديدًا له أنْ تتلاشى فاقدةً للأبد قابليّتها للاسترداد."

والتر بنيامين [1]

"اختراع التصوير الفوتوغرافيّ؛ لمصلحة مَنْ، وضدّ مَنْ؟"

جان-لوك غودار وجان-بيير غورين [2]

 ها هو ذا كتابُ صورٍ فوتوغرافيّةٍ آخر. جميعها التُقطت في المناطق الصناعيّة ومناجم الفحم في كيب بريتون [3] خلال العقدين الممتدّين بين عامي 1948 و 1968. وجميعها أنتجها بمفرده مصوّر تجاريّ واحد اسمه ليزلي شيدِن (Leslie Shedden). تبدو اقتصادات هذا العمل الفوتوغرافيّ للوهلة الأولى بسيطة ومعروفة؛ بصفته مالك أكبر استوديو تصوير والأكثر نجاحًا في المدينة وفي خليج غليس. أنتج شيدِن العديد من الصّور تلبيةً لطلبات شرائح متنوّعة من الزبائن، ممّا يكشف لنا في إنتاجاته الفوتوغرافيّة الواسعة حدود العلاقات الاقتصاديّة في مدينة المناجم هذه. كانت شركة مناجم الفحم منفردةً أكبر زبائنه، أمّا عمّال المناجم وعائلاتهم فشكّلوا أبرز الزبائن الأقلّ رسميّةً الوافدين إلى استوديو شيدِن. اعتمدت فئة أصحاب الحوانيت التي تندرج بين الشركة وبين العمّال، أمثال شيدِن نفسه، على دخل عمّال المناجم كمورد رزق لهم، هذه الفئة التي وَجدت في التصوير الفوتوغرافيّ وسيلةً ناجعة لتعزيز التنمية المحلّيّة.

لِمَ نستهلُّ الحديث بإبراز هذه الوقائع الاقتصاديّة، كما لو كنّا نفتخر باتّباع منهجيّة "التفكير الخام"[4] التي يدعو إليها برتولت بريخت؟ من المؤكّد أنّنا لا نستطيع حصر فهمنا لهذه الصوَر في معرفة متعلّقة بظروف اقتصاديّة؛ فهذه المعرفة غير كافية رغم ضرورتها، علينا بالإضافة إلى ذلك استيعاب الطريقة التي يَبني من خلالها التصوير الفوتوغرافيّ عالمًا مُتخيّلًا ويقدّمه على أنّه الواقع. تسعى هذه المقالة بالتّالي إلى محاولة فهم جانبٍ من العلاقة بين ثقافة التصوير الفوتوغرافيّ والحياة الاقتصاديّة. كيف يساهم التّصوير الفوتوغرافيّ في الاعتراف بعلاقات القوّة الراهنة وتطبيعها؟ كيف يعمل التصوير صوتًا للسلطة بينما يدّعي في الوقت ذاته أنّه يشكّل عملة تبادل رمزيّة بين شركاء متساوين؟ ما هي الملاذات والمخارج المؤقّتة التي تقدّمها الموارد المادّيّة الفوتوغرافيّة للهروب

من حيّز الضرورة؟ ما هي الدفاعات التي يعزّزها التصوير الفوتوغرافيّ؟ كيف تصون الصور الفوتوغرافيّة الذاكرة التاريخيّة والاجتماعيّة وتحوّلها وتقيّدها وتمحوها؟ أيّ مستقبل تَعِدُ به؟ وأيّ مستقبل تلفظه في النسيان؟ تمسّ هذه الأسئلة في أوسع معانيها السبلَ التي يوظَّفُ من خلالها التصوير الفوتوغرافيّ لبناء اقتصاد وهميّ. تُعتبر هذه الأسئلة، من منظورٍ ماديّ، منطقيّة تستحقّ عناء تعقّبها. وقد تبدو بالتأكيد أسئلةً لا يمكن التغاضي عنها عند معاينة أرشيفٍ كهذا، أرشيفٍ جُمعت صورُه تلبيةً لاحتياجات تجاريّة وصناعيّة في منطقة تعاني باستمرار من ضوائق اقتصاديّة.[5]

ومع ذلك، تُحجب أسئلةٌ كهذه بسهولةٍ، أو يُتغاضى عنها ببساطة. لكي نفهم هذا الإنكار للسياسة، وننزع الصّفة السياسيّة عن المعنى الفوتوغرافيّ، علينا أن نتفحّص بعض المشاكل الضمنيّة في ثقافة التصوير. قبل أن نستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة المطروحة آنفًا، علينا أن نتأمل بإيجاز ماهيّة الأرشيف الفوتوغرافيّ، وكيف يمكن تفسيره، وفحصه، أو إعادة ترتيبه في كتاب. يُعتبر نموذج الأرشيف، أو نموذج تجميع الصور الكمّيّ، حاضرًا بقوّة في الخطاب الفوتوغرافي، إذ يولّد هذا النموذج تأثيرًا أساسيًّا في طبيعة الحقائق والمتع المُختَبَرة أثناء تجربة النظر إلى الصور لا سيّما اليوم، حيث يجري تجميع الكتب ومعارض الصور من أرشيفات بوتيرة غير مسبوقة، لدرجة يمكننا معها المحاججة بأنّ المطامح والإجراءات الأرشيفيّة متأصّلة في الممارسة الفوتوغرافيّة.

توجد أنواع عدّة من الأرشيفات الفوتوغرافيّة: منها الأرشيف التجاريّ كأرشيف شيدِن، والأرشيف التعاونيّ، والأرشيف الحكوميّ، وأرشيف المتحف، وأرشيف تاريخ المجتمع، وأرشيف الهواة، وأرشيف العائلة، وأرشيف الفنّانين، وأرشيف مقتني الأعمال الفنّيّة، إلخ. الأرشيفات ملكيّة فرديّة أو مؤسساتيّة خاصّة، ملكيّة لربّما غير مصحوبة دومًا بحقوق تأليف. تتمثّل إحدى ميّزات التصوير الفوتوغرافيّ في أنّ حقوق تأليف الصور المنفردة من جهة وحقوق مِلكيّتها والسيطرة الأرشيفيّة عليها من جهة أخرى لا يرجعان عادةً إلى فردٍ واحد. إنّ المصوّرين الذين لا يُعتبرون فنّانين، أو هواة التصوير، يكونون عمّال تفاصيل، ولذا فإنّ وسمهم بـ "كادحي الإبداع" من قبل المنظّر القانونيّ برنارد إيدلمان هو أمرٌ حصيف.[6] ليزلي شيدِن كان بدوره صنائعيًّا ورجل أعمال صغير، إذ ساهم في بناء أرشيف صور الشركة وعائلات العمّال، وحافظ على ملفّات الصور (النيجاتيف) بحوزته؛ وكما جرت العادة في التصوير التجاريّ، باع ليزلي هذه الملفّات عندما باع الاستوديو لمصوّر شابّ إبّان تقاعده عام 1977.

يشكّل الأرشيف إذًا منطقةً من الصور، تُفْرَضُ وحدتها بالأساس من خلال ملكيّتها. وبغضّ النظر عمّا إذا كانت الصّور فيه معروضة للبيع أم لم تكن، فإنّ حالة الأرشيف العامّة تنطوي على خضوع لمبدأ الاستخدام ضمن منطق التبادل التجاريّ. ولذا فالأمر لا يقتصر على كون صور الأرشيفات معروضة حرفيًّا للبيع، ولكنّ معانيها أيضًا لقمةٌ سائغة. يُدعى مالكون جُدد، وتأتي تأويلات جديدة. يُعتبر شراء حقوق إعادة الإنتاج تحت قانون الملكيّة الفكريّة بمثابة شراءِ رخصة دلاليّة معيّنة. يتماثل هذا التوافر الدلاليّ للصور في الأرشيف مع  المنطق التجريديّ ذاته الذي تتبع له البضائع في السوق.

إمكانيّة المعنى في أرشيفٍ ما "متحرّرة" [بالمفهوم الليبرالي] من الاحتماليّات الفعليّة للاستعمال؛ لكنّ هذا التحرّر أيضًا فقدانٌ، وتجرّد من تعدّديّة الاستعمال وثرائه، فقدانٌ للسياق. وهكذا يُحيَّد التمايز النوعيّ للاستعمالات والمعاني "الأصليّة" ويُحجَب عن الرؤية عندما تُنتقى الصور الفوتوغرافيّة من أرشيف ما ويُعاد إنتاجها في كتاب. (وبأسلوب عكسيّ: قد تُستخرج الصور من الكتب وتوضع في الأرشيف مُسبّبة فقدانًا مُشابهًا للتمايز النوعيّ). تحلُّ معانٍ جديدة مكان المعاني القديمة في الأرشيف الذي يؤدّي نوعًا ما دور مقاصّة معانٍ. 

دعونا ننظر في هذا المثال: بعض الصّور في هذا الكتاب هي صورٌ أعيدت طباعتها بالأصل في تقارير شركة دومينيان ستييل آند كوول السنويّة، بينما البعض الآخر كان محفوظًا في محافظ العمّال أو مُؤطّرًا فوق المواقد في منازل الطبقة العاملة. تخيّل نظرتين مختلفتين: تخيّل نظرة أحد حَمَلَة الأسهم (الذي ربّما زار أو لم يزر منجم الفحم في حياته) وهو يقلّب صفحات قائمة الإيرادات، يحطّ بنظره هنيهة على صورة إحدى ماكينات استخراج المعادن، التي تشكّل على الأرجح المصدر الملموس للثروة المجرّدة التي تستعرضها هذه الصّفحات. وتخيّل نظرة عامل المنجم، أو نظرة زوجته، أو ابنه، أو أحد والديه أو إخوته، أو عشيقته، أو صديقه، تخيّلها تنساق نحو بورتريه التُقط خلال استراحة أو في أوقات الفراغ القصيرة التي تتخلّل يوم العمل. قد تتّفق أغلبيّة عمّال المناجم على أنّ الاستثمارات في هاتَيْن النظرتين - وهي ماليّة من جهة، وعاطفيّة من جهة أخرى - ليست متوائمة. أمّا في الأرشيف، فيُطمس هذا الاختلاف، وهذا التضادّ الراديكاليّ بين النظرتين. وعوضًا عن ذلك نجد صورتي نيجاتيف متاحتَيْن لإعادة الطباعة في كتاب يختزل جميع تشابهاتهما واختلافاتهما في شؤونٍ محض بصريّة. (حتى الاختلافات البصريّة يمكن مجانستها منذ اللحظة الأولى عندما يُطبع نيجاتيف بعض الصور الفوتوغرافيّة على أوراق صناعيّة لمّاعة، وتُطبع أخرى على أوراق مسطّحة وتُصبَغ يدويًّا، لتخضع جميعها إلى معيار طباعة واحد يخصّ إعادة الإنتاج في كتاب. هكذا يُحجب الفرق بين نظام مخاطبة صوريّ "معلوماتيّ" وآخر "عاطفيّ"). بهذا المعنى، يُنشئ الأرشيف علاقة تكافؤ بصريّة مجرّدة بين الصور. ضمن نظام الصورة المهيمنة هذا، من الصعب تقفّي أثر تيّارات القوّة الضمنيّة، ما عدا في حالة الصدمة الحادثة في المونتاج، عندما توضع صور من فئات متضادّة متجاورةً بطريقة جدليّة ومحيّرة.

قد تُظهِر المعرفة التقليديّة أنّ الصّور الفوتوغرافيّة تنقل حقائق غير قابلة للتغيير. ورغم أنّ موضوع إعادة طباعة الصور بذاته قد يُبدي لنا أنّ ما يضيع في عمليّة التّرجمة هو القليل فقط، فمن الواضح أنّ المعنى الفوتوغرافيّ يعتمد بالأساس على السّياق. رغم التأثير القويّ للانطباع الناشئ عن الواقع  (والمتكوّن بواسطة التّسجيل الميكانيكيّ للحظة ضوء منعكس بحسب قواعد المنظور المعتادة)، فإنّ الصّور الفوتوغرافيّة بحدّ ذاتها تتألّف من شظايا وتعابير غير كاملة. فالمعنى يوجّهُه دائمًا النّسقُ الذي تترتب فيه الصور، والوصوف المرافقة لها، والنصّ، وموقع العرض وطريقة التقديم [...] وبما أنّ الأرشيف الفوتوغرافيّ يميل إلى تعطيل المعنى والاستعمال، يوجد المعنى في الأرشيف في حالتي ركود وإمكانيّة متزامنَتيْن، إذ تتعايش فكرة استعمالات الصور السابقة مع وفرةٍ من إمكانيّات استعمال أخرى جديدة. من الناحية الوظيفيّة، يشبه الأرشيف الفعّالُ مخزنَ عدّة، أمّا الأرشيف الخامل فيشبه مخزن عدّةٍ مهجور. (لا يمكن تشبيه الأرشيفات بمناجم الفحم؛ لأنّ المعنى فيها لا يُستخرج من الطبيعة، بل من الثقافة).

يشكّل الأرشيف بمصطلحات لغويّة النموذج أو النظام الأيقونيّ الذي منه تتشكّل "التصريحات" الفوتوغرافيّة. تتغيّر الإمكانيّات الأرشيفية مع مرور الوقت، وتصادر دلائلَهُ حقولٌ وخطاباتٌ وتخصّصاتٌ أخرى مختلفة. تصير الصّور في ملفات وكالات التصوير على سبيل المثال، مُتاحةً للتاريخ حين لا تعود مجدية للصّحافة. بطريقة مماثلة، إنّ تاريخ فنّ التصوير الفوتوغرافيّ الجديد بصيغته الراهنة ينقّب، في أسوأ حالاته شيوعًا، في الأرشيفات بكلّ أنواعها عن أعمال فنيّة مميّزة كي يحتفي بها ويبيعها.

 

من الواضح أنّ الأرشيفات ليست محايدة، فهي تجسّد القوّة الكامنة في المراكمة، والتجميع، والتكديس، وكذلك القوّة الكامنة في أوامر المعجم وقواعد اللّغة. بمجرّد نشأته ضمن الثقافة البرجوازيّة، لم يكن ما حدّدَ المشروعَ الفوتوغرافيّ ذاته حُلُمه بلغة عالميّة فقط؛ ولكن حلمه أيضًا بتأسيس أرشيفات ومستودعات عالميّة وفقًا لنماذج طرحتها المكتبات، والموسوعات، والحدائق المختصّة بعلم الحيوان والنّبات، والمتاحف، وسجلّات الشرطة، والبنوك. (بدوره، ساهم التصوير الفوتوغرافيّ في عصرنة تدفّق المعلومات في هذه المؤسّسات). يتطلّع أيّ أرشيف فوتوغرافيّ، مهما كان صغيرًا، بطريقة غير مباشرة نحو هذه المؤسّسات طمعًا في سلطتها. ترتبط حقائق الأرشيف الفوتوغرافيّ ومُتَعِه أيضًا، بالحقائق والمتع المُتنعّم بها في هذه المواقع الأخرى. ففيما يتعلّق بالحقائق، تقبع أسُسُها الفلسفيّة في نظريّات تجريبيّة شرسة، تعزم على تحقيق مخزون عالميّ من المظاهر. تُبدي الأرشيفات الفوتوغرافيّة عادةً رغبةً مُلحّةً في بلوغ الكمال، وإيمانًا بتماسك مطلق تفرضه كميّات الاستحواذ الهائلة. على مستوى التطبيق، فإنّ معرفة كهذه يمكن فقط تنظيمها وفقًا لوسائل بيروقراطيّة. ولذا يُعتبر المنظور الأرشيفيّ أقرب إلى [الشّخص] الرأسماليّ، وإلى الوضعيّ المحترف، وإلى البيروقراطيّ وإلى المهندس - ناهيك عن الخبير المتمكّن - منه إلى الطبقة العاملة. ثقافة الطبقة العاملة عمومًا، غير مبنيّة على امتيازات كهذه.

 

وهذا ما يجعل الأرشيفات تحمل شخصيّتين متضادّتين، فالمعنى متحرّرٌ في حبوسها من قيمته الاستعماليّة، إلّا أنّها وعلى مستوىً أعمّ، تقع تحت هيمنة نموذج إمبريقيّ للحقيقة. الصور مُذرّاةٌ في الأرشيفات، معزولةٌ بطريقة، ومُجانَسة بطريقة أخرى. (بإمكاننا تخيّل حساء مكرونة الحروف الأبجديّة [لنفهم الحالة التي تتواجد فيها الصور داخل الأرشيفات]). لكنّ أرشيفًا لا تعمّه الفوضى المطلقة لا بدّ وأن يؤسّس نظامًا ما يحكم محتوياته. إمّا أن يجري ترتيب المحتويات وفق نظام يعتمد على التصنيف الفئويّ أو آخر يعتمد على الترتيب الزمنيّ. وتُعتَمد في معظم الأرشيفات أنظمةٌ من كلا النّوعين، ولكن بمستويات تنظيم مختلفة وأحيانًا متناوبة. قد تُدرِج أنظمة التصنيف الفئوي محتوياتِها ضمن فئات تتعلّق بالرقابة أو الملكيّة أو النوع أو التقنية المستخدمة، أو الأيقونيّة أو الموضوع، وغيرها من أسس التصنيف التي تُحدّدها درجة تنوّع الأرشيف، بينما تعتمد الأنظمة التعاقبيّة تواليًا زمنيًّا يتبع إمّا تاريخ إنتاج الصور أو تاريخ حيازتها. وكلّ من حاول أن يصنّف ألبومًا عائليًّا أو يتنقّى صُوَرَهُ سيفهم المعضلة (أو ربما الحماقة) التي تقتضيها خطوات عمليّة كهذه. يَحار المرء بين التصنيف الفئويّ، أيْ، احتواء الصّور ضمن عمليّة سرد، وبين الترتيب الزمنيّ، أي احتوائها ضمن عمليّة جرد.

 

ما يجدر الانتباه إليه هنا هو أنّ كتب التصوير الفوتوغرافيّ (ومعارضها) غالبًا ما تؤول إلى إعادة إنتاج الأنظمة البدائيّة هذه، وينطوي قيامها بذلك على ادّعاء ضمنيٍّ بنصيبها في كلٍّ من سلطة الأرشيف وحياده المتوهَّم. وهنا تكمن "بدائيّة" التصوير الفوتوغرافيّ مُقارنة مع السّينما. على خلاف الأفلام، فإنّ كُتب التّصوير الفوتوغرافيّ أو معارضه قابلة دومًا للتفكيك، إن جاز القول، إلى عناصرها المُكوِّنة، أيْ، إلى الأرشيف. قد يبدو تجميعها معًا في تلك الكتب أو المعارض مؤقَّتًا وساذجًا في آن. ولذا نجد سلسلة من الحيل ومحاولات الإنكار ضمن ثقافة التصوير الفوتوغرافيّ السائدة؛ ففي أيَ مرحلة من الإنتاج الفوتوغرافيّ، يميل جهاز الاختيار والتأويل إلى تقديم ذاته على أنّه غير مرئيّ، (أو يميل على النّقيض من ذلك، إلى الاحتفاء بأعماله على أنّها، نوعًا ما، حملةٌ أخلاقيّة أو سحرٌ إبداعيّ). قد يدّعي المصوّرون والمؤرشفون وقيّمو المعارض عندما تواجِه تأويلاتهم نوعًا من التحدّي أنّهم يقدّمون مجرّد انطباعٍ حياديّ لأمرٍ مُقرٍّ مُسبقًا. يتوارى تحت عملية الإنكار الرسميّة هذه مذهبيّة إمبريقيّة بديهيّة، تتجلّى في تقديم التصوير الفوتوغرافيّ على أنّه انعكاس للواقع، وأنّ ما يضمّه الأرشيف هو كتالوغ دقيق لمجموع الانعكاسات هذه، وهكذا دواليك.

 

حتى لو أقرّ المرء – كما يَشيع في هذه الأيّام – أنّ التصوير يُؤوِّل الواقع، فسيظلّ من المحتمل أن يُعتقد تبعًا لذلك أنّ الأرشيف يقدّم كتالوغًا لمجموع هذه التأويلات وهكذا دواليك مرّة أخرى. قد يُحتفى ببراءة الاكتشاف في أيّ وقت، ولذا فإنّ فعل "تحييد الثّقافة" الذي يراه رولان بارت صفةً أساسيةً من صفات الخطاب الفوتوغرافيّ هو فعل يُكرَّر ويُعزَّز عمليًّا في كلّ مرحلة من مراحل عمل الجهاز الثقافيّ، إلّا إذا قاطعها النقد.[7]

 

باختصار، تحافظ الأرشيفات الفوتوغرافيّة، بسبب بنيتها، على صلةٍ خفيّة بين المعرفة والقوّة. قد يُنظر بشكّ إلى أيّ خطاب يعتمدُ على معايير الحقيقة التي يصوغها الأرشيف دون التّشكيك بها. ولكن ما هي السرديّات أو المجرودات التي من الممكن إنشاؤها، وهل كنّا لنؤوّل أرشيفًا كهذا بطريقة عاديّة؟

 

بإمكاني تخيّل نوعين من الكتب التي قد تُنتَج من الصور التي التقطها شيدِن أو من أيّ أرشيف صورٍ وظيفيّة مُشابه من أجل هذا الموضوع. يمكننا، من ناحية ما، اعتبار هذه الصور "وثائق تاريخيّة"، ومن ناحية أخرى، يمكننا معاملتها على أنّها "قطع ذات قيمة جماليّة". وهنا يظهر خياران متناقضان إلى حدٍّ ما. هل على هذه الصور أن تُأخَذ باعتبارها وسيلة شفّافة لاكتساب معرفة -حميميّة ومفصّلة حتّى وإن لم تكن مكتملة- حول جزيرة كيب بريتون الصناعيّة في مرحلة ما بعد الحرب؟ أم علينا أن ننظر إلى هذه الصّور باعتبارها أشياءَ "قائمة من أجل ذاتها" أو غايات منتهية بحدّ ذاتها؟ يُحيلنا السؤال الثاني إلى سؤال آخر، هل هذه الصور هي نِتاج سلطة عاميّة غير متوقّعة، أيْ، هل يُعتبر ليزلي شيدِن اكتشافًا يستحق مقعدًا ثانويًا في مجمّع فنّاني التصوير الفوتوغرافيّ الآخذ بالاتّساع؟

 

اغتيال الأرشيدوق النمساويّ فرانز فرديناند في سراييفو، 1914

دعونا نتناول الخيار الأوّل؛ منذ العقد الأوّل من هذا القرن، تزايد اعتماد إصدارات التاريخ العامّة، لا سيما كتب التاريخ المدرسيّة، على الموادّ الفوتوغرافيّة مُعادة الإنتاج. تستند الثقافة العامّة والتعليم العام بشدّة على الواقعيّة الفوتوغرافيّة، دامجةً البيداغوجيا والترفيه في انهيار ثلجيّ من الصور. يمكن استرجاع النظرة إلى الماضي وحفظها ونشرها بطريقة غير مسبوقة، إلّا أنّ وعي التاريخ باعتباره تأويلًا للماضي يخضع لإيمانٍ ما بالتاريخ على أنّه إعادةُ تمثيل. ليست الكتابة التاريخيّة وحدها ما تواجه المُشاهد[8]، ولكن تواجهه أيضًا الطريقة التي يتمظهر بها التاريخ ذاته. يبدو التصوير الفوتوغرافيّ كما لو أنّه يُشبِع رغبة "إظهار ما حدث بالفعل"، والتي عادة ما تُقتَبس عن "الأستاذ المؤسّس لمدرسة التاريخ المعاصر ليوبولد فون رانكه".[8] أصبح السرد التاريخيّ مسألة اعتمادٍ على سلطة الأرشيف الصامتة، ومسألة

 

ربط خفيّ لوثائق مُتَّفق على صحّتها بطريقة سلسة. (يتضمّن مصطلح وثائق إحالةً إلى حقيقة رسميّة أو قانونيّة، واقترابًا من حدث أصليّ أو تأكيدًا عليه). إنّ الروايات التاريخيّة التي تستند إلى التصوير الفوتوغرافيّ بشكل أساسيٍّ وثابتٍ تحملُ سمات وضعيّة[9] وتاريخيّة. تتمثّل السمات الوضعيّة فيما تقدّمه الكاميرا من دلائل أو معلومات ميكانيكيّة وبالتالي موضوعيّة "علميًّا". تُعتبر الصور مصادر معرفة واقعيّة وحتميّة، وبالتالي وثائقَ دقيقة ومناسبة للتاريخ الذي يحاول تحقيق مرتبة بين العلوم الإنسانيّة التي تُفترَض موضوعيّتها. أمّا السمات التاريخية فتتجلّى فيما يؤكّده الأرشيف من وجود تطوّر خطّيّ من الزمن الماضي إلى الحاضر، وما يقدّمه من إمكانيّة استرجاع يسيرة وغير إشكاليّة للماضي من مرحلة زمنيّة متفوّقة عليه يقدّمها الحاضر. في أسوأ حالاتها، تقدّم التواريخ المصوّرة نظرةً فائقة الاختزال للسببيّة التاريخيّة، يتمثّل هذا الاختزال على سبيل المثال في ابتداء الحرب العالميّة الأولى بلمحات خاطفة لاغتيالٍ في سراييفو، وفي بداية اشتراك الولايات المتّحدة الأمريكيّة في الحرب العالميّة الثانية بمشهد سفنٍ حربيّة محطّمة.

 

ولذا، تعيد معظم التواريخ المصوّرة إنتاج أنماط التفكير الراسخة في الثقافة البرجوازيّة. ومن خلال قيامها بذلك بطريقة شعبيّة، فإنّها توسّع نطاق سيطرة هذه الثقافة في حين تَعرِض ازدراءً شبه مخفيّ لمحو الأميّة الشعبيّة وتغاضيًا عنه. تنطوي فكرةُ أنّ التصويرَ الفوتوغرافيّ "لغةٌ عالميّة" على حماس بيداغوجيّ مُفرط وصِفة وصاية متواصلة.

 

يفتَرض الانتشارُ الواسع للصور الفوتوغرافيّة باعتبارها مادّة تاريخيّة توضيحيّة أنَّ الأحداث الهامّة هي تلك التي يمكن تصويرها، وأنّ التاريخ، تبعًا لذلك، يتّخذ طابع المشهد.[10] إلّا أنّ هذا المشهد المصوَّر هو نوع من إعادة العرض، بما أنّه يعتمد على مشاهد مُسبقة الحدوث في تشكيل ما يُفترض أنّه مادّته الخام.[11] منذ عشرينيّات القرن العشرين ساهمت صحافة الصورة جنبًا إلى جنب مع جهاز العلاقات العامّة والدعاية والترويج الحكوميّة في تنظيم تدفّق صور الكوارث والحروب والثورات والمنتجات الجديدة والمشاهير والقادة السياسيّين والاحتفالات الرسميّة والمظاهر العامّة وغيرها. إنّ استخدام مؤرّخ ما لصور كهذه دون لفت الانتباه إلى استخداماتها المُسبقة هو نوع من السذاجة في أحسن حالاته، ومدعاة للسخرية في أسوئها. ما الذي قد يعنيه إنشاء تاريخ مصوَّر عن استخراج الفحم في كيب بريتون ما بعد الحرب باستخدام صور من أرشيف العلاقات العامّة لإحدى الشركات، دون لفت الانتباه إلى الانحياز الكامن في مصدر كهذا؟ ما نوع الاهتمامات الحاضرة التي قد يخدمها إغفال كهذا؟

 

يفقد الناظر إلى هذه التواريخ البصريّة العاديّة أيّ أساس يستند إليه من الحاضر لإجراء تقييمات نقديّة. يجد مُشاهد هذه الأرشيفات نفسه تائهًا في وضعٍ من التنقّل الجغرافيّ والزمانيّ الخياليّ في محاولته استرجاعَ تعاقبٍ مُتفكّكٍ للمحاتٍ مجزّأة مُختَطَفة من الماضي. إنّ التّجانس الوحيد الحاصل في حالة التّشويش والانتزاع هذه هو ذلك الذي يقدّمه موقع الكاميرا دائم الانزياح، والذي يعطي المُشاهد نوعًا من المعرفة الكلّيّة إنّما مجرّدةً من القوّة. لذا يجد المُشاهد نفسه متّفقًا مع الجهاز التّقنيّ بحضور المؤسّسة السلطويّة للتصوير الفوتوغرافيّ. تحت وطأة هذه السلطة، تأخذ جميع أشكال الإخبار والتذكّر الأخرى بالتّلاشي. لكنّ الآلة تأسّس الحقيقة الخاصّة بها، لا من خلال الجدل المنطقيّ، ولكن من خلال تقديم تجربة. تتعرّج هذه التجربة على نحو مميّز ما بين الحنين إلى الماضي والرّعب والشعور المهيمن بغرابة الماضي وبغيريّته غير القابلة للاسترجاع بالنسبة لمُشاهدٍ من الحاضر. بناء على ما سبق، عندما تُقدَّم الصور كوثائق تاريخيّة غير مصحوبة بأيّ نقد، تتحوّل إلى قطع جماليّة في النّهاية؛ ليبقى بالتالي التظاهرُ بفهم تاريخيّ حاضرًا رغم استبداله بتجربة جماليّة.[12]

 

ولكن ماذا عن خيارنا الثاني؟ لو افترضنا التخلّي المطلق عن التظاهر بتحقيق تفسير تاريخيّ، وعاملنا هذه الصّور باعتبارها نوعًا من الأعمال الفنّيّة، لكان هذا الكتاب إذًا جردًا للإنجازات الجماليّة و/أو عرضًا لمساعٍ جماليّة نزيهة. ربما يكون القارئ على استعداد لمواجهة هذه الاحتمالات تبعًا لحقيقة أنّ دار النّشر التي أصدرت هذا الكتاب لها تاريخ من الاهتمام الحصريّ بفنّ الطليعة المعاصر في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وغرب أوروبا (وكندا إلى حدّ ما). بالإضافة إلى ذلك، وكما أشرتُ مُسبقًا، فإن فعل نزع هذه الصور من سياقها الذي نشأت به بالأساس يستدعي الجماليّة.

 

بإمكاني الإشارة إلى طريقتين تتحوّل بهما هذه الصور إلى "أعمالٍ فنّيّة"، كلتيهما غير منطقيّتين إلى حدّ ما، دون أن تخلو إحداهما من علاقة سابقة مطوّلة مع ما يَشيع حاليًّا من حمّى استيعاب التصوير الفوتوغرافيّ في خطاب الفنون الجميلة وسوقه. تتبع الطريقة الأولى منطق الرومانسيّة التقليديّ في بحثها المتواصل عن أصول جماليّة في "صوتٍ" سلطويّ متجانس ومهيمن. أمّا الطريقة الأخرى فقد توسم بأنّها "ما بعد رومانسيّة" وتُعلي من شأن الذوق الشخصيّ لمقتني المجموعات والخبير مُقارنةً بذوق أيّ مؤلف محدَّد. هذه الطريقة الثانية للنظر إلى الصور الفوتوغرافيّة تعاملها كما لو أنّها "أغراض توظّف لإنشاء عمل فنّيّ" (found objects). غالبًا ما تَحضُر كلتا الطريقتين في الخطاب الفوتوغرافيّ معًا في كتابٍ أو معرضٍ أو مقالٍ صحفيّ واحد، أو مجلّةٍ واحدة. يهيمن حضور الطريقة الأولى غالبًا بسبب الحاجة المستمرّة إلى شرعنة التصوير الفوتوغرافيّ باعتباره فنًّا، الأمر الذي يتطلّب استجداءً متواصلًا لأسطورة السلطة من أجل تحرير التصوير الفوتوغرافيّ من السّمعة التي تلاحقه بوصفه وسيطًا آليًّا تابعًا. على التصوير الفوتوغرافيّ أن يُكسَب ويُعاد كسبه مِرارًا من أجل أن تصمد أيديولوجيا الرومانسيّة.[13]

 

قد تبدو حقيقة أنّ هذا الكتاب الذي يعيد فيه مؤلّف منفرد إنتاج مجموعة من الصّور الفوتوغرافيّة بحدّ ذاتها امتيازًا ضمنيًّا ممنوحًا لنظريّة المؤلّف (auteurism) الرومانسيّة الجديدة، ولكن سيكون من الصّعب طرح حجّة قابلة للتصديق حول استقلاليّة شيدِن باعتباره "صانع صور". شأنه شأن جميع المصوّرين التجاريّين، احتوى عملُ شيدِن تفاوضًا بين حِرَفيّته الشخصيّة وبين مطالب زبائنه وتوقّعاتهم. وفوق هذا، قُدِّم عمله بطريقة كانت خارجة عن سيطرته كليًّا. ربّما يجادل المرء افتراضًا أنّ شيدِن كان فنّانًا خفيًّا، أنتج عملًا فنّيًّا أصيلًا بظروف غير سارّة تطغى عليها سمات المدرسة الرّومانسيّة. (”الأصالة“ هي المعيار الأساسيّ والمؤهّل للفنّ الأصيل، وفق مصطلحات المدرسة الرّومانسيّة. في القرن التّاسع عشر، بلغ الأمر حدًّا صنّف فيه نقّاد الفنّ الرومانسيّون التّصوير الفوتوغرافيّ على أنّه وسيط للناسخ، فلم يحقّق التصوير مرتبة ضمن الفنون الجميلة). تكمن أزمة نظريّة المؤلّف، كما هو الحال في العديد من قضايا الخطاب الفوتوغرافيّ، في إساءة الفهم المتكّررة لممارسة التصوير الفوتوغرافيّ الفعليّة. في عزلة "المؤلّف" المرغوبة، تغيب عن وعي المرء المؤسّسات الاجتماعيّة: الشركة، والمدرسة، والعائلة، التي تتحدّث بواسطة حرفة المصوّر الفوتوغرافيّ التجاريّة. باستطاعة المرء أن يُبدي تقديرًا لعمل المصوّر الحرفيّ، أيْ، المهارة الكامنة في العمل في إطار مجموعة من التقاليد الرسميّة والقيود الاقتصاديّة، وفي الوقت ذاته يرفض التورّط في مبالغة رومانسيّة.

 

قد يكون التلقّي المحتمَل لهذه الصّور باعتبارها ”ما بعد رومانسيّة“ أو ”ما بعد حداثيّة“ أشدّ إزعاجًا وقد يبدو حدوثه أكثر إمكانيّة. وقد يتمادى هذا التوتّر إلى الحدّ الذي يحتلّ فيه التصوير الفوتوغرافيّ مكانة غير ثابتة وجدليّة في نطاق الفنون الجميلة، فيصبح ممكنًا إزاحة الذاتيّة وإيجاد ذائقة منقّحة تجاه الجماليّات، لا لدى صانع الصّور، بل في عيون المُشاهد. إذن، تصبح مثل هذه الصور مواضيعَ للتلصّص الثانويّ، هذا الصّنف من التلصّص الذي يستغلّ فعل المشاهدة بمفهومه البدائيّ الساذج ويدّعي التفوّق عليه. تشبه الاستراتيجيّة المتّبعة هنا تلك التي بادر إليها وأسّس لها فنّ البوب في بداية ستينيّات القرن الماضي. يعاين المُشاهد المُلمّ بالجماليّات الجوانب الفنّيّة في الثقافة الجماهيريّة أو الثقافة ”الشعبية“ في جوّ يتّسم بالانعزال والسخرية وحتى بالازدراء. بالنّسبة لفنّ البوب ومشتقّاته، تُصاغ نظرة المُشاهد المتمرّس دائمًا في علاقةٍ مع النظرة الدونيّة التي سبقتها. يزعجني في وضعيّة التلقّي هذه استعلاؤها المبطّن وما تتضمّنه من ادّعاءٍ بمرتبة أعلى في سلّم المشاهدة (spectatorship). تخدم النظرات المتعالية، والسياحيّة، والنقديّة الساخرة نحو الكيتش الثقافة الراقية التي أصبح من الصّعب تفريقها عن الثقافة الجماهيريّة في جوانب عديدة، خصوصًا فيما يتعلّق بتبعيّتها للتسويق والإعلان وافتتانها بالنجوميّة. من الأجدر تجنّب احتمالية اعتماد هذا الشكل من التعالي الثقافي والجماليّ، خصوصًا عندما يُنشر كتاب صور فوتوغرافيّة لمصوّر تجاريّ من بلدة صغيرة عن طريق دار نشر تمثّل إصداراتها عادة ثقافة ذات طابع عالميّ ومتروبوليتانيّ وطلائعيّ.

 

إذن، تشدّنا إملاءات الثّقافة الفوتوغرافيّة في اتّجاهين متناقضين: نحو ”العلم“ وأسطورة ”الحقيقة الموضوعيّة“ من جهة، ونحو "الفنّ“ وعبادة ”التجربة الذاتيّة“ من جهة أخرى. يلاحق طيف هذه الثنائيّة التصوير الفوتوغرافيّ، مضيفًا شيئًا من التناقضات الخرقاء على أكثر الادّعاءات الراسخة شيوعًا حول الوسيط، إذ نسمع تكرارًا ومرارًا اللازمات التالية: التصوير الفوتوغرافيّ فنٌّ. التصوير الفوتوغرافيّ علم (أو، على الأقلّ، يشكّل طريقة علميًّة للرؤية). التصوير الفوتوغرافيّ هو فنّ وعلم مجتمعان. وردًّا على هذه المقولات، يصبح من الضرورة القول إنّ التصوير الفوتوغرافيّ ليس فنًّا ولا عِلْمًا، بل مسألة عالقة ما بين الخطاب الفنّيّ والخطاب العلميّ، مطالبًا بأحقّيّته في قيمة ثقافيّة اعتمادًا على كلّ من نموذج الحقيقة المدعوم بالعلوم التطبيقيّة المختبريّة، ونموذج المتعة والتّعبير الذي تقدّمه الجماليّات الرومانسيّة. وبأسلوبه العشوائيّ، حاول الخطاب الفوتوغرافيّ أن يتجاوز الفصل الفلسفيّ والمؤسّساتيّ الشديد بين الممارسة العلميّة والفنّيّة الذي امتاز به المجتمع البرجوازيّ منذ نهاية القرن الثامن عشر. وباعتباره وسيطًا آليًّا أحدث تحوّلّات راديكاليّة، وأزاح الطرق الحرفيّة واليدويّة في التمثيل البصريّ، يقع التصوير الفوتوغرافيّ في أزمة متواصلة مركزيّة في الثقافة البرجوازيّة، أزمة تعود جذورها إلى نشأة التكنولوجيا والعلم باعتبارهما ظاهريًّا قوى إنتاجيّة مستقلّة. وفي قلب هذه الأزمة يكمن السؤال حول نجاة القوى البشريّة الإبداعيّة أو تشوّهها تحت تأثير المكننة. إنّ الترويج المؤسساتيّ للتصوير الفوتوغرافيّ باعتباره حقلًا من حقول الفنون الجميلة يحرّر التكنولوجيا من كامل العبء والمسؤوليّة، وذلك عبر طرح أنّ الذاتيّة والآلة أمران يسهُل تناغمهما. في أيامنا هذه على وجه التحديد، يساهم التصوير الفوتوغرافيّ في وهم التكنولوجيا المأنسنة، متسامحًا مع كل من التعبير ”الديمقراطي“ عن النفس ومع إنجازات الموهبة الغامضة. وعليه، تبدو الكاميرا نموذج الآلة الحميدة، إذ تحافظ على لحظة استقلاليّة إبداعيّة يجري إنكارها بشكل ممنهج  في بقية حياة معظم الناس. تتجلّى الشاعريّة أحاديّة الجانب في هذا المشهد عند مراجعة كمّ السبل المتشعّبة التي أدّى التصوير الفوتوغرافيّ فيها دور الأداة في قبضة القوى الصناعيّة والبيروقراطيّة.[14]

 

وفي حال كانت مكانة التّصوير الفوتوغرافيّ في الوسط الثقافيّ البرجوازيّ إشكاليّة على قدر ما أدّعي هنا، ربّما من الأجدر لنا أن نبتعد عن الطرح المنحاز لمنظور تاريخ الفنّ، والذي يسيطر على كافّة النقاشات المعاصرة حول الوسيط. نحتاج أن نفهم كيف يعمل التصوير الفوتوغرافيّ في الحياة اليوميّة لدى المجتمعات الصناعيّة المتقدّمة: هذه مشكلة تتعلّق طبيعتها بتاريخ الثقافة الماديّة أكثر مما تتعلّق بتاريخ الفنّ. إنّها مسألة وقت وانتظار لحظة الشروع باستكشاف كيفيّة قراءة صناعة الصور العاديّة وتلقّيها. قد تشكّل صور ليزلي شيدِن عدسة نموذجيّة للنظر من خلالها إلى آثار التصوير الفوتوغرافيّ المتنوّعة والمتناقضة على حياة الطبقة العاملة.

 

دعونا ”نبدأ مرّة أخرى“ معترفين أنّنا أمام أرشيف مثيرٍ للفضول، عناصر مُجزّأة ولكن في الوقت ذاته متّصلة لآلية اجتماعيّة متخيّلة. صور تلتقط لحظات ثابتة في دفق من الاقتصادات المترابطة: الفحم، والمال، والآلات، والسلع الاستهلاكيّة، والرجال، والنساء، والأطفال. صورٌ هي بحدّ ذاتها عناصر في اقتصاد رمزيّ موحّد — زحام في صور — زحام تكوّنه ذكريات، وتخليدات، واحتفالات، وشهادات، وإثباتات، وحقائق، وتخيّلات. نحن أمام صور رسميّة الطابع. عمليًّا، هي صورٌ أُعدّت في واقع الأمر بهدف التخطيط والاحتفاء بالازدهار. يستبدل جهاز النقل الميكانيكيّ قطيعًا من الأحصنة. يُستبدَل عشرة عمال في المناجم بآلة تنقيب. يَستبدل محرّكُ الدّيزل القاطرة. أمامنا أيضًا صورٌ خاصّة، صورٌ شخصيّة، صورٌ عائليّة: حفلات زفاف، وطقوس تخريج، وتجمّعات عائليّة. تحفّز هذه الصّورُ المتفرّجَ للوهلة الأولى على التّمييز بين نوعين من الصّور الواقعيّة: الواقعيّة الآلاتيّة للصورة الصناعيّة، والواقعيّة الوجدانيّة للصورة العائليّة. مع ذلك، قد يبدو واضحًا أنّ النوّعين لا يتشاركان في خصوصيّتهما التصنيفيّة. الصور الصناعيّة تُباع وتُشترى، وقد يُكلّف بصناعتها وتُنفّذ بناءً على هذا التكليف، أو تُعرضُ، أو يُنظر إليها بروح عقلانيّة حسابيّة. تقدّم هذه الصّور حقائق جليّة دونما التباس، حقائق العلوم التطبيقيّة النافعة. ولكنّ صورًا فوتوغرافيةً كهذه قد تصل إلى منطقةٍ من الوجدانيّات غير المعترف بها تقديريًّا، مُلقية الضوء على جماليّات القوّة، والبراعة، والتحكّم. إنّ التفاؤل العام الطاغي في هذه الصور هو مجرّد استبدال جدير بالاحترام ومقبول عاطفيًّا وضروريّ أيديولوجيًّا لمشاعر عميقة — معطفٍ يُضفي جماليّة على الاستغلال. بكلمات أخرى، حتى في أكثرها فتورًا، تتضمّن التصريحات الكلماتيّة والصوريّة الصادرة عن مكتب علاقات عامّة في شركةٍ معانيَ مبطّنة توشي بالتهديدات والخوف. (في النهاية، في ظلّ الرأسماليّة، مِهن الجميع معرضّة للخطر). وعلى نحو شبيه، لا تفلح صور العائلة في ابتكار ملاجئ للعاطفة الصافية. ينطبق الأمر بوجهٍ خاصّ على من هم في ضائقة اقتصاديّة متواصلة، أولئك الذين يشكّل لهم المثول أمام آلة التصوير فعلًا مُكلفًا يجب احتسابه باعتباره نفقة. مما لا شكّ فيه أنّ هناك لحظات تتخطّى فيها الصور الفوتوغرافيّة الفصل والفقدان، وهنا تكمن معظم قوّة التصوير العاطفيّة. خصوصًا في مجتمع قائم على أعمال استخراج الفحم، تتّصل حياة المشاعر اتّصالًا وثيقًا بالأعمال الأدواتيّة في السراديب؛ وهنا بالذّات، تتحوّل الصورة دون إنذار إلى تذكار تراجيديّ.

 

يطمح هذا النصّ الإنشائيّ، إذًا، إلى تقديم أدوات مفاهيميّة لتكوين فهم موحّد للكيفيّة الاجتماعيّة التي يعمل بها التصوير الفوتوغرافيّ في بيئة صناعيّة. يأخذ هذا المشروع بعين الاعتبار نصيحة والتر بنيامين الأخيرة، في نقاشه حول خلق بديل تاريخيّ ماديّ للمنهج التاريخيّ الذي لا مفرّ من اصطفافه مع المنتصرين:

 

”ما من سجلّ تاريخيّ لا يحمل في صلبه طابعًا همجيًّا[15] عند توثيق حضارة ما. فلا يخلو هذا السجلّ من سمات الهمجيّة، وأساليب تناقله من مالك إلى آخر هي الأخرى ملطخة بوصم الهمجيّة. ولذا، ينأى المؤرخ الماديّ بنفسه عنها كلّما أمكن. فيُلقي على عاتقه مهمّة إزالة شوائب التاريخ.“[16]

كلمات بنيامين هذه دقيقة. لا يمكن افتراض براءة محتويات أرشيف الإنجازات البشريّة ولا أشكاله ولا طرق تلقّيه ولا تأويلاته العديدة. بل يجدر، علاوةً على ذلك، الحرص على استعمال مفهوم ”الإنجازات البشريّة“ بنبرة نقديّة في عصر التشغيل الآليّ. قراءة الأرشيف تبدأ من الأسفل، من موضع التضامن مع النازحين المهجرين، والمشوّهين، والمقمُوعين، والمُسكتين والمخفيّين وراء ماكينات الربح والتقدّم.

 

* نُشرت هذه المقالة لأول مرة في العام 1991، وأُعيد نشرها عام 2003 في كتاب The Photography Reader: History and Theory، تحرير Liz Wells.

** حول المُشاهد والمتفرّج والناظر: تكرّرت في النصّ عبارات متعلّقة بفعل المشاهدة والنظر viewer و spectator. راجعنا الفروق اللغوية التأثيليّة بين فعل المشاهدة وفعل التفرّج: يتابع المتفرج حدثًا جاريًا وقد يستغرق زمن الفرجة وقتًا طويلًا، بينما يعاين المشاهد ما يراه من زاوية ما. اخترنا أن نوظّف العبارتين وفق احتياجات النصّ.

*** الصور في المقالة من اختيار فريق مُدام.

9.   المدرسة الفلسفيّة الوضعيّة. (فريق مُدامْ)

10. راجع/ي كتاب غي ديبور. La Société du spectacle (باريس، 1970)، ترجمة غير
      مصرّح بها. Society of the Spectacle (ديترويت، 1970، طبعة منقّحة، 1977).
11. بإمكاننا أن نستعيد في أذهاننا هنا اعتماد حكومة الولايات المتّحدة الأمريكيّة
      الفدرالية على "فُرَص الصّور المُرتّبة". للاستزادة حول مثال آخر غير ذي صلة
      راجع/ي نقاش سوزان سونتاغ حول حجة ليني ريفنتسال أنّ "انتصار الإرادة"
      كان مجرّد فيلم وثائقي بريء لرالي نورمبيرغ للاشتركيّين الوطنيّين المُعدّ
      للسينما عام 1934. تقتبس سوزان عن ريفنتسال قولها: "كلّ شيء أصيل… إنّه
      تاريخ، تاريخ محض." سوزان سونتاغ، 'Fascinating Fascism'، نيويورك ريفيو
      أوف بوكس، مج.22، ع.1 فبراير 1975)، أعيدت طباعته في Under the Sign of
      Saturn. (نيويورك 1980). ص.82.

12. هناك كتابان يأتيان على هذه النزعة السائدة في "التاريخ البصريّ" من خلال
      تركيز الانتباه على  علاقات القوّة الكامنة خلف صناعة الصور: أحدهما كتاب
      All That Our Hands Have Done: A Pictorial History of the Hamilton
      Workers (أوكسيل، أونتاريو، 1981) من تأليف كريغ هيرون وشيا هوفمتز
      وواين روبرتس وروبرت ستوري. والآخر كتاب سارة غراهام-براون
      Palestinians and Their Society (لندن، 1980).

13. في الفئة الأولى كتبٌ تكتشف مصوّرين فوتوغرافيّين غير محتفىً بهم: مثل
      مايك ديسفارمر، Disfarmer: The Heber Sprinas Portraits،  نصوص جوليا
      سكالي (دانبري، نيوهامبشاير، 1976). في الفئة الثانية كتبٌ تشهد للحسّ
      الجماليّ لدى أصحاب المجموعات: مثل كتاب سام واغستاف A Book of
      Photographs from the Collection of Sam Wagstaff (نيويورك، 1970).

14. يُعيد هذا المقطع صياغة فكرة وردت في مقالتي 'The Traffic in
      Photographs'،The Art Journal، عدد 41. (ربيع 1980)، ص. 15-16.

15. تظهر في الأصل barbarism. (فريق مُدام)

16. والتر بنيامين، 'Theses on the Philosophy of History'، ص. 256-57.

1. والتر بنيامين، (Theses on The Philosophy of History, 1940)، في Illuminations،
    تحرير حنّة أرندت، ترجمة هاري زون (نيويورك 1969)، صفحة 255.

2. جان-لوك غودار وجان-بيير غورين، Vent d'Est (روما، وباريس، وبرلين، 1969)،    
    سيناريو فيلم نُشر في جان-لوك غودار، Weeken (نيويورك، 1972)، صفحة 179.

3. كيب بريتون (Cape Breton) جزيرة تطلُّ على الساحل الأطلنطي لكندا.
    (فريق مُدامْ)

4. التفكير الخام، أو التفكير الفظّ هي ترجمة ما ورد في المقال بصيغة crude
    thinking وهي إعادة صياغة والتر بنيامين لعبارة برتولت بريخت blunt thinking
    التي وردت أصلًا في رواية الكاتب ThreePenny Novel وخصّص لها بنيامين
    قسمًا في كتابه Understanding Brecht. (فريق مُدام)

5. "ما يتمّ تمثيله في الإيديولوجيا بالتالي ليس نظام العلاقات الحقيقيّة/الواقعيّة
    التي تتحكّم في وجود الأفراد، بل العلاقات المتخيّلة بين هؤلاء الأفراد وبين
    العلاقات الواقعيّة التي يعيشونها." لوي ألتوسير، (1969) 'Ideology and
    Ideological State Apparatuses'، في Lenin and Philosophy and Other Essays،
    ترجمة بين بريستير (نيويورك، 1971)، صفحة 165. يرتكز نموذج ايديولوجيّة
    ألتوسير إلى حدٍّ ما على ماركس وعلى مؤلّفات المحلل النفسانيّ جاك لاكان؛
    وباختصار ومن دون شرح مفصّل، أودّ تنويه القارئ الكنديّ خصوصًا إلى كتاب
    أنتوني ويلدين، وهو من أوائل من ترجم لاكان إلى الإنجليزيّة، The lmaainary
    Canadian: An Examination for Discovery (فانكوفر،1980).

6. برنارد إيدلمان، Le Droit saisi par la photographic (باريس، 1973)، ترجمة
    إليزابيث كينجدوم، Ownership of the Image: Elements for a Marxist Theory
    of Law (لندن، 1979)، صفحة 45.

7. رولان بارت،  (Rhétorique de l'image ،Communications 4 (1964، في
    Image, Music, Text، ترجمة ستيفن هيث. (نيويورك. 1977)، ص.51.

8. ليوبوند فون رانكه، مقدمة كتاب Histories of the Latin and Germanic Nations
    from 1494-1514، في The Varieties of History، تحرير فريتز ستيرن (نيويورك،
    1972)، ص.57.

©

حقوق النشر مش محفوظة